مقدمات في فهم أزمة التقاعد

أكنتيف

يتوفر المغرب على منظومة للتقاعد شديدة التعقيد، فقد أحدث الصندوق المغربي للتقاعد بموجب ظهير 02 مارس 1930 لتدبير نظام المعاشات المدنية وأعيد تنظيمه بموجب ظهير شريف رقم 1.96.106 صادر في 21 من ربيع الأول 1417 موافق7 أغسطس 1996) بتنفيذ القانون رقم 43.95 ويغطي نظام تغطية الصندوق المغربي للتقاعد جميع الموظفين المدنيين التابعين للدولة والجماعات المحلية، كما تم إحداث نظام جديد لفائدة العسكريين. وفي سنة 1949، أحدثت المقاولات الصناعية الصندوق المهني المغربي للتقاعد على شكل جمعية لأرباب العمل لمنح تغطية تكميلية للتقاعد لذوي الأجر الشهري. وفي سنة 1959، أحدث الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي حول نظام 1949 إلى نظام إلزامي لمجموع أجراء القطاع الخاص باعتماد مبدأ التوزيع. وبالتالي، أصبح الصندوق المهني المغربي للتقاعد بحكم الواقع نظاما تكميليا اختياريا لنظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وفي سنة 1977، تم إحداث النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد بموجب ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.216 بتاريخ 20 شوال 1397 (4 أكتوبر 1977)، حيث أصبحت تغطية التقاعد إجبارية بالنسبة لأجراء المؤسسات العمومية والمستخدمين غير المرسمين بالقطاع العام.

وبالاظافة إلى هذه الأنظمة، قامت عدة مؤسسات عمومية بإحداث صناديق تقاعد داخلية خاصة بمستخدميها، نذكر منها المكتب الوطني للماء الصالح للشرب والمكتب الوطني للكهرباء والمكتب الشريف للفوسفاط وبنك المغرب ووكالة التبغ والمكتب الوطني للسكك الحديدية ووكالات توزيع الماء والكهرباء وليدك …

كل هذه الأنظمة المتنوعة لا تنعكس على قاعدة التغطية فالمغرب يسجل ضعفا شديدا لنسبة التغطية للساكنة النشيطة فهذه الأنظمة مجتمعة لا تغطي سوى 33 % من مجموع الساكنة النشيطة، أي ما يناهز 3,4 مليون نسمة من أصل 10,5 مليون نسمة.

لكن مظاهر الأزمة في وضعية هذه الأنظمة بدأت تلوح منذ 1997 حيث أحدث الوزير الأول آنذاك لجنة لتتبع الدراسات الاكتوارية وتم تكليفها بتقييم الاستدامة المالية لصناديق التقاعد ودراسة مقترحات الإصلاح. وقد أظهر التشخيص الأولي المنجز ابتداء من سنة 1997 شكوكا حول مدى قدرة صناديق التقاعد على الاستمرار على المدى البعيد. وقدمت اللجنة المذكورة تقريرها للوزير الأول في فبراير 2002 مرفوقا بتشخيص عام حول أنظمة التقاعد.

وفي 2003 تم تنظيم المناظرة الوطنية حول التقاعد حضرها برلمانيون ونقابيون وأرباب العمل وممثلو صناديق التقاعد وجامعيون وخبراء. وقد أسفرت المناظرة عن إحداث لجنة وطنية تحت رئاسة الوزير الأول وبعضوية كلا من الوزراء المكلفون بالمالية وبالتشغيل وبالوظيفة العمومية ومسؤولي النقابات الخمس الأكثر تمثيلية ورئيس الإتحاد العام لمقاولات المغرب ومدراء صناديق التقاعد. كما أوصت المناظرة بإحداث لجنة تقنية مكونة من ممثلي أعضاء اللجنة الوطنية تتولى تنسيق أعمالها مديرية التأمين والاحتياط الاجتماعي بوزارة المالية، وكل هذه اللجان والدراسات لم تعقبها إجراءات حقيقية للإصلاح والإنقاذ. باستثناء بعض الإجراءات المتفرقة مثل زيادة في نسبة واجب الانخراط في الصندوق المغربي للتقاعد من 14 % إلى 20 % ابتداء من سنة 2004، وذلك في محاولة لإعادة التوازن لهذا النظام تبعا لتوسيع قاعدة تصفية المعاشات ورفعنسبة الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من 7,2 % إلى 11,89 % ما بين سنتي 1993 و2002. كما تم اعتماد احتساب المعاش على أساس آخر 96 أجر شهري ابتداء من سنة 2005.

وتبقى الإشكالية الكبرى لهذه الأنظمة كما واجهتها معظم دول العالم هي الإشكالية الديموغرافية، فالمغرب عرف مرورا سريعا من مرحلة الانتقال الديموغرافي انعكس على طبيعة أنظمة التقاعد ففي سنة 1986 كان المغرب يتوفر على 12 نشيط مقابل 1 متقاعد وفي سنة 2012 صار لدينا 3 ناشطين لكل متقاعد وإذا لم يكتشف الإحصاء العام لهذه السنة تغييرا كبيرا في الوضعية الديموغرافية، فمن المرتقب أن يصل المغرب إلى حالة التساوي التام بين النشيطين والمتقاعدين في أفق سنة 2024، بالاظافة الى اختلالات مهمة في حكامة النظام فلمدة طويلة كان النظام متمتعا بامتيازات ذات أصول ديموغرافية مما جعل الدولة تتخلف لمدة عن تسديد التزاماتها المالية اتجاه الصندوق الوطني للتقاعد وهو ما تم تداركه بدفعة مالية بلغت 6 ملايير درهم سنة 2005 لفائدة النظام المدني، كما يقوم هذا الصندوق بتسديد التعويضات العائلية للمتقاعدين بدون تخصيص نسبة واضحة لها من الاكتتابات.

وبالنسبة للنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد في شقه المتعلق بالنظام العام، فهو نظام إلزامي يمزج بين قاعدتي التوزيع والرسملة، ويساهم فيه الموظف بنسبة 6 % بينما يساهم المشغل بنسبة 12 %  وتمول واجبات الانخراط والمساهمات، صندوق الشيخوخة : 12 % منها 6 % من اقتطاعات المأجورين و 6 % كمساهمات المشغلين بصفة ثابتة ومسجلة بالدفاتر الفردية للمشتركين ويتم توظيفها طبق قاعدة الرسملة بنسبة 4,75 % سنويا ؛ وصندوق العجز والوفاة : 1 %؛وصندوق التعويضات العائلية : 0,65 %؛ وصندوق الموازنة : 4,35 % . ويحدد القسط السنوي في نسبة 2 % عن كل سنة من الخدمة الفعلية على أساس الراتب المتوسط للخدمة وهذا بخلاف ما هو معمول به في الصندوق المغربي للتقاعد الذي تتم فيه تصفية معاش التقاعد على أساس آخر راتب توصل به المنخرط قبل إحالته على التقاعد.

وبالنسبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فهو نظام تقاعد إلزامي قائما على مبدأ التوزيع مع خدمات محددة، ويتم تحديد الحقوق المكتسبة للمأجورين باحتساب عدد أيام التأمين، يخضع لهذا النظام كل من المتدربون والأجراء العاملون لدى رب عمل أوعدة أرباب عمل في المهن الصناعية والتجارية والمهن الحرة، أويشغلون منصبا عند موثق أوجمعية أونقابة أوشركة مدنية أومجموعة كيفما كانت طبيعة نشاطها وكيفما كانت طبيعة وشكل التعويضات التي تمنحها، أومدة صلاحية عقودها؛ والأشخاص العاملون في التعاونيات؛ والأشخاص العاملون لدى مالكي عقارات معدة للسكن أوللاستخدام التجاري؛ والبحارة الصيادون بالحصة؛ والعاملون بمقاولات الصناعة التقليدية؛ والعاملون بالضيعات الفلاحية والغابوية وتوابعها. ويقدم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الخدمات المتعلقة بالتعويضات العائلية؛ وبالخدمات قصيرة الأمد المتعلقة بالتعويضات اليومية عن المرض أو عن الحوادث التي لا يشملها القانون المتعلق بحوادث الشغل والأمراض المهنية، وكذا المتعلقة بالتعويضات اليومية عن الأمومة، والتعويضات عن الوفاة وعن رخص الولادة؛ وبالخدمات طويلة الأمد وهي معاشات العجز ومعاشات الشيخوخة ومعاشات ذوي الحقوق. ويتم تدبير هذه الخدمات بشكل مستقل بعضها عن بعض لضمان توازن كل خدمة ذاتيا.

وبالنسبة للصندوق المهني المغربي للتقاعد فيتميز بطبيعته القانونية فهو جمعية أسست سنة1949، ويعمل حاليا طبقا لمقتضيات الظهير الشريف رقم 376 – 58 – 1 الصادر بتاريخ 15 نونبر 1958 المنظم للجمعيات، كما تم تغييره وتتميمه، ويمنح الصندوق للمنخرطين فيه منتوجين، منتوج الكامل، باشتراكات متساوية بين المشغل والأجير تحسب على مجموع الأجر بنسب تتراوح بين 3 و 10 % وتخضع مساهمات رب العمل لزيادة بنسبة 30 % لا تترتب عنها حقوق؛ ومنتوج المناسب، وتتراوح نسب اشتراكات المأجورين والمشغلين ما بين 6 % و 12 %، وتخضع اشتراكات المشغلين، كما هو الشأن لمنتوج الكامل، لزيادة بنسبة 30 % ويتم تصفيتها على أساس أجرة تفوق سقف نظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المحدد حاليا في 6.000 درهم.

ومن الناحية التشريعية، فقد صدر ما لا يقل عن 49 ظهير منذ 02 مارس 1930 بمواضيع مختلفة منها خمسة عشر ظهير بمثابة قانون وهي ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.74.92 بتاريخ 3 شعبان 1395 (12 غشت 1975) يتعلق بانخراط رجال التسيير والصف بالقوات المساعدة في نظام رواتب التقاعد العسكرية، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.74.93 بتاريخ 3 شعبان 1395 (12 غشت 1975) تعين بموجبه حدود سن رجال التسيير والصف بالقوات المساعدة المنخرطين في نظام رواتب التقاعد العسكرية، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.216 بتاريخ 20 شوال 1397 (4 أكتوبر 1977) يتعلق بإحداث نظام جماعي لمنح رواتب التقاعد، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.314 بتاريخ 20 شوال 1397 (4 أكتوبر 1977) يحدد بموجبه أجل أداء المبالغ المتأخرة من بعض رواتب التقاعد والإيرادات والمنح، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.316 بتاريخ 20 شوال 1397 (4 أكتوبر 1977) يغير ويتمم بموجبه القانون رقم 011.71 الصادر في 12 ذي القعدة 1391 (30 دجنبر 1971) بإحداث نظام لرواتب التقاعد المدنية، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.317 بتاريخ 20 شوال 1397 (4 أكتوبر 1977) بتغيير القانون رقم 011.71 الصادر في 12 ذي القعدة 1391 (30 دجنبر 1971) بإحداث نظام لرواتب التقاعد المدنية، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.318 بتاريخ 20 شوال 1397 (4 أكتوبر 1977) بتغيير القانون رقم 013.71 الصادر في 12 ذي القعدة 1391 (30 دجنبر 1971) بإحداث نظام لرواتب التقاعد العسكرية، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.320 بتاريخ 20 شوال 1397 (4 أكتوبر 1977) يغير ويتمم بموجبه القانون رقم 013.70 الصادر في 12 ذي القعدة 1391 (30 دجنبر 1971) بإحداث نظام لرواتب التقاعد العسكرية، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.321 بتاريخ 20 شوال 1397 (4 أكتوبر 1977) يغير بموجبه الظهير الشريف رقم 1.74.92 الصادر في 3 شعبان 1395 (12 غشت 1975) بمثابة قانون يتعلق بانخراط رجال التسيير والصف بالقوات المساعدة في نظام رواتب التقاعد العسكرية، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.322 بتاريخ 20 شوال 1397 (4 أكتوبر 1977) يتكفل المغرب بموجبه مؤقتا بأداء رواتب التقاعد والإيرادات التي تخلى عنها بعض المتقاعدين المغاربة لدى الدولة الإسبانية، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.323 بتاريخ 20 شوال 1397 (4 أكتوبر 1977) يتعلق بتعيين أجل جديد لقبول طلبات اعتبار الخدمات المنجزة من طرف الموظفين المأذون لهم في المطالبة بحقوقهم في التقاعد ولإعادة دفع الاقتطاعات عن التقاعد المرجعة أو القنوة المقبوضة من طرف الموظفين الذين استأنفوا مزاولة نشاطهم بعد حذفهم من الأسلاك، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.324 بتاريخ 20 شوال 1397 (4 أكتوبر 1977) يتعلق بتعيين أجل جديد لقبول طلبات اعتبار الخدمات المنجزة من طرف العسكرين المأذون لهم في المطالبة بحقوقهم في التقاعد ولإعادة دفع الاقتطاعات عن التقاعد المرجعة أو القنوة المقبوضة من طرف العسكرين الذين استأنفوا مزاولة نشاطهم بعد حذفهم من الأسلاك، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.62 بتاريخ 17 ربيع الثاني 1397 (6 أبريل 1977) يتعلق بمراجعة رواتب التقاعد الممنوحة لرجال الحرس الملكي غير المحددة لأجورهم الأساسية أرقام استدلالية، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.63 بتاريخ 17 ربيع الثاني 1397 (6 أبريل 1977) يتعلق بتحسين حالة بعض موظفي الدولة المحالين على التقاعد، وظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.64 بتاريخ 5 شوال 1397 (19 شتنبر 1977) يغير بموجهب القانون رقم 015.71 الصادر في 12 ذي القعدة 1391 (30 دجنبر 1971) بتعيين حد سن الضباط والعسكريين غير الضباط بالقوات المسلحة الملكية المنخرطين في نظام رواتب التقاعد العسكرية.

وبالاظافة الى خمسة قوانين في موضوع التقاعد وهي قانون رقم 011.71 بتاريخ 12 ذي القعدة 1391 (30 دجنبر 1971) يحدث بموجبه نظام لرواتب التقاعد المدنية، وقانون رقم 012.71 بتاريخ 12 ذي القعدة 1391 (30 دجنبر 1971) يعين بموجبه حد سن موظفي وأعوان الدولة والبلديات والمؤسسات العمومية المنخرطين في نظام رواتب التقاعد المدنية، وقانون رقم 013.71 بتاريخ 12 ذي القعدة 1391 (30 دجنبر 1971) يحدث بموجبه نظام لرواتب التقاعد العسكرية، وقانون رقم 014.71 بتاريخ 12 ذي القعدة 1391 (30 دجنبر 1971) بتغيير الظهير الشريف رقم 1.58.117 الصادر في 15 محرم 1378 (فاتح غشت 1958) بشأن رواتب التقاعد العسكرية الممنوحة عن الزمانة، وقانون رقم 015.71 بتاريخ 12 ذي القعدة 1391 (30 دجنبر 1971) بتعيين حد سن الضباط والعسكريين غير الضباط بالقوات المسلحة الملكية المنخرطين في نظام رواتب التقاعد العسكرية.

إنها لمحة عامة حول الأنظمة الأساسية للتقاعد بالمغرب والبالغ عددها خمسة أنظمة رئيسية تتباين الفئات المعنية بها وتختلف قواعد إشتغالها وطرق تكوين مدخراتها وكيفيات احتساب مستحقات منخرطيها كما تعرف صعوبات في الانتقال بينها، يكون الاطلاع عليها مقدما لفهم واستيعاب النقاش العمومي حول إصلاح التقاعد أو إنقاذ منظومة التقاعد .

بقلم احمد بن عمر اكنتيف

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق